سر مقتل فان غوخ

Vincent van Gogh Painting, Oil on Canvas Saint-Rémy: September, 1889 Musée d'Orsay Paris, France, Europe

Vincent van Gogh
Painting, Oil on Canvas
Saint-Rémy: September, 1889
Musée d’Orsay
Paris, France, Europe

27  تموز 1890

عاد الرجل غريب الطباع، الخارج مؤخرًا من مصح عقلي، والذي يحب العزلة إلى النزل وفي بطنه أثر طلقة رصاص.

عندما حضرت الشرطة لاستجوابه أمام بضعة أطباء وأخيه، سألوه: “أكنت تحاول الانتحار؟”

فنظر إليهم نظرة المستغرب وأجابهم: “أظن ذلك”! وأخبرهم أنه حاول هذا بينما كان يرسم في حقل القمح.

   بعد 29 ساعة من الألم والعذاب توفي الفنان الهولندي الشهير عن عمر السابعة والثلاثين ومنهيًا عشر سنوات من العمل في الرسم. لم يترك إلا الألف لوحة والألف ومئة رسمة والتي لم يبع منها أي واحدة خلال حياته، ورسالة في جيبه كتبها يوم وفاته لأخيه ثيو.

   بالرغم من أن فنسنت وليم فان غوخ اعترف بأنه حاول الانتحار إلا أن المؤلفين Steven Naifeh وGregory White Smith الحائزين على جائزة بوليتزر Pulitzer Prize وضعا دراسة حديثة، استغرقت عشر سنوات، تشكك في هذا الأمر.

   يقول الصحفيان أن مشهد الموت هذا بما فيه الاعتراف نقلته شاهدة واحدة هي Adeline Ravoux ابنة صاحب النزل حيث أقام الفنان وقد كان عمرها حينها 13 عامًا ولم تروي القصة إلا في عام 1953، حيث كانت روايتها تختلف ويضاف إليها تفاصيل جديدة في كل مرة. أما جميع الذين كتبوا عن حادثة وفاة الفنان في الأيام التي تلت الحادثة لم يشيروا إلى مسألة الانتحار بأي طريقة وإنما قالوا بأن فان غوخ “قد آذى نفسه”.

   ركز الباحثان كذلك على الطريقة الغريبة التي حاول فيها الفنان الانتحار، إن كان فعلاً حاول ذلك. فقد أطلق على نفسه النار في البطن، وكان بإمكانه ككل الذين يحاولون الانتحار توجيه المسدس نحو قلبه، أوضعه في رأسه، أو فمه. ثم، وبدلاً من أن يجهز على نفسه أو يستلقي منتظرًا أن ينزف حتى الموت قطع مسافة كيلومترين مجروحًا من حقل القمح إلى النزل. وفي هذا الخصوص أيضًا لم يتم إيجاد أي أثر للمسدس لا في ذاك الحقل ولا في أي مكان آخر، كما لم يتم إيجاد أدوات الرسم خاصته.

   أضاف طبيب جنائي أجرى معه الصحفيان عدة أسئلة حول طبيعة إطلاق النار. فلو أن فان غوخ أطلق النار على صدره لتوجب عليه إمساك المسدس بكلتا يديه وكان من المفروض إيجاد بقايا بارود على يديه وهو ما لم يحدث. كما أن الطلقتين كانتا ستتركان آثار حرق زرقاء حول جلده لكن الآثار بحسب الطبيب تشير أن المسدس كان على بعد قدم ونصف أو قدمين على الأقل.

   إن الرسالة التي كانت في جيب الفنان وموجهة لأخيه كانت تحوي على مستلزمات للرسم يحتاجها الفنان في أعماله المستقبلية وليست رسالة وداع كما أشار الفلم الذي يروي قصة حياته.

   اعترف Leo Jansen مدير متحف فان غوخ رغم معارضته لفكرة قتل الفنان أن الأخير رغم تعبه من الحياة ومعاناته معها كان ضد الانتحار ويعتبره غير أخلاقي، وجريمة يجب أن يسجن الناجون من الانتحار على أثرها.

   إن ما يهمنا في هذا الخصوص هو أن الباحثين وبالرغم من كل الدلائل التي ساقاها ووجها بانتقاد شديد من الوسط الأكاديمي والفني وبطرق سخيفة ليست مبنية على أرضية صلبة. فأحدهم يقول معترضًا: “ليس هذا فان غوخ الذي رسم ليلة مرصعة بالنجوم” ! وكيف يجب أن يكون ؟! منتحرًا؟!

   إن فكرة انتحار الفنان لاقت رواجًا وتقبلاً سريعًا لأنها تضع خاتمة درامية مناسبة لحياة الفنان المعذبة والمريضة. ففلم  Lust for Life الذي أخرجه الحائز على الأوسكار Vincente Minnelli عام 1956 والذي يتناول حياة فان غوخ يختم بمشهد الفنان وهو يحفر على شجرة وسط عاصفة “أنا يائس، لا أرى مخرجًا” ثم نسمع صوت طلقة مسدس وتعلو الموسيقى ثم النهاية. للعديدين هذه هي النهاية المتخيلة المثالية لفان غوخ وبالرغم من أننا نعتقد أن أناس قرروا إجراء فلم حول حياة شخصية شعبية ومهمة لابد وأنهم قد أجروا بحثًا معمقًا حول الموضوع، وهم أهل للثقة، إلا أن الحال هنا، كما غالبًا، ليست كذلك. وفان غوخ لمن يكن قصة روائية لتنتهي حياته بطريقة درامية كما قد نتوقع.

   إن تأثر الوسط الفني بفكرة انتحار الفنان يعبرها بأفضل طريقة أمين متحف فان غوخ والذي كان معارضًا قاسيًا للصحَفيين في البداية ثم أرسل لهما رسالة إلكترونية، فيها: “أظن أن أكبر مشكلة ستجدانها بعد أن تنشرا نظريتكما هي أن فكرة الانتحار مطبوعة في عقول الأجيال الحالية والسابقة كحقيقة قائمة بذاتها. انتحار فان غوخ صار الخاتمة الملحمية لقصة شهيد الفن. تاجه المصنوع من شوك”.

إذا لم ينتحر فمن قتله؟

   يشير الصحفيان بإصبع الاتهام لشاب فرنسي غني ومدلل يدعى رينيه Rene Secretan، كان في السادسة عشرة من عمره، مهووس بعرض لرعاة البقر شاهده حديثًا في باريس، وقد وجد في فان غوخ غريب الطباع والمصاب بالصرع النصفي المؤقت مصدرًا للتسلية والتنمر ذاك الصيف. وقد استعار المسدس الذي قتل به فان غوخ من صاحب النزل لكنه قال أن الفنان سرقه منه يومها. الشرطة لم تحقق مع رينيه أبدًا، ولم يكن مصدر شك أبدًا حتى اعترف أخاه عام 1956 بدافع تبرئة الضمير.

   يقول الصحفيان أن الفنان إن كان فعلًا اعترف بأنه حاول الانتحار فذاك لكي يحمي الصبيين، رينيه وأخوه، قفد قدما له هدية … لقد خلصاه من عذابه.

Advertisements

One thought on “سر مقتل فان غوخ

Love to hear your opinion !

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s