وهم داوكنز

هذه مراجعة لكتاب The God Delusion لـ Richard Dawkins  وهي مبنية على محتوى الكتاب؛ لا علاقة لتوجه الكاتب وإيمانه بها.

منذ البداية يصدمك هذا الكتاب بدرجة الفوقية والتبجح التي يملكها ويستخدمها داوكنز. إنه لا يبدأ بتوضيح فكرته التي سيناقشه مثلما تتوقع من أكاديمي، ولا يعرض لنا قصة مؤثرة، بل يهاجم ويتوعد أنه سينزع غشاء الغباء عن عقول المؤمنين، يذكرني بمشهد قسيس يرتعد متحمسًا وهو يعد “سأخرج الشيطان منك”، وفي هذه الحالة تتوقع أنه سيفاجئنا لاحقًا بدلائله القاطعة أو حججه القاسمة.

لكن أول ما بدأ به داوكنز هو نحيبه وعواله كصبي صغير بأنه لا يريد احترام مقدسات الآخرين؛ لماذا عليه ذلك إن كان لا يؤمن بصحتها؟ مع أن الاحترام لا يعني الأيمان بمقدسات الآخرين بل احترام مشاعرهم وهو يدل على رقي صاحبه أكثر من أهميته للغير. أما الحجة الأولى التي يعرضها كدليل على وهم الإله هي أن أينشتاين كان ملحدًا، وأفرغ عدد من الصفحات وهو يحاول تفسير ما قاله عن أن “الله لا يلعب النرد” وأقوال أخرى، وأنها كلها لا تعني بأن أينشتاين كان مؤمنًا بل هو ملحد، وهو يذهب ويعود حول هذه النقطة عدة مرات في الكتاب. ما لا يفهم حقًا، هو ما علاقة إيمان أينشتاين بفرضية وجود الله فعلا. هل إيمان أينشتاين يقوي وجود الله؟! وما الفائدة من إلحاد أينشتاين أو حتى كل العالم إن كانوا مخطئين؟ فالحق لا يقوى ويضعف بعدد مناصريه. وهنالك العديد من علماء الفيزياء الذين يعارضون أو حتى أثبتوا خطأه في مسائل الفيزياء، فما الذي يجعل رأيه قاطعًا بصواب في مسألة الله؟

  في كل الأحوال يفشل داوكيينز في ذكر مقولة أينشتاين الأكثر قطعية في هذا الشأن ألا وهي أن تعقد عالم الفيزياء تقوده للإيمان بوجود ذكاء إلهي خلفه. لكن داوكينز يذكر فقط ما يلائمه، ويجعل هذا العالم ملحدًا ويهاجم ذاك ليس على أساس فشله علميًا ولكن لأنه مؤمن؛ مثلما فعل مع البروفسور Antony Flew صاحب كتاب There is a God: How the World’s Most Notorious Atheist Changed his Mind حيث يعتبر أن الرجل الذي أعلن إيمانه أخيرًا قد خرف. البروفسور وفي مقالة كتبها لاحقًا يتساءل لماذا اعتمد داوكينز في معلوماته عن خبر إيمان فلو على الانترنت ولم يراسل البروفسور سائلاً إياه عن رأيه، وما الذي جعله يغير رأيه -إن فعل-. “هذا الفعل ككل” يقول البروفسور فلو، “يجعل من الواضح جدًا أن داوكينز لا تهمه الحقيقة بل تشويه الفكر المضاد بأي وسيلة ممكنة”.

عندما نقرأ لداوكينز يحاول ضم جميع العلماء البارزين لصف الملحدين بالإضافة لمسألة أينشتاين السابقة، لابد أن نلاحظ أن الحقيقة فعلا لا تهمه، فالذي تهمه الحقيقة لا يكترث بمن يتبعها أو لا. وهو يذكرني بالطرف الآخر، فهم يحاولون كذلك دائمًا ضم جميع العلماء لطرف المؤمنين، بدلاً من أن يركز الاثنان على ما عمل هؤلاء جاهدين من أجله وهو العلم والعلم فقط، وتركهم بشأنهم فيما عدا ذلك.

بعد ذلك تتحسن الأمور على ما يبدو، ويبدأ داوكنز بمناقشة الألوهية فعلاً، لكن يبدو هنا أن كل ما يعرفه المؤلف عن الحجج والفلسفة الدينية ككل أخذها من النقاشات التي يخوضوها مع القسيسين وما شابه، لكنه لم يقرأ بالفعل أي شيء حول الموضوع!

لقد قام داوكنز بالفعل بمواجهة الحجج التقليدية لوجود الله كما يقدم مترجم النسخة العربية. هو يناقش Ontological Argument و Cosmological Argument وحجة التصميم. لكن ما رد دوكنز عليها؟ … أنها سخيفة …ومضحكة! وحتى أنه يهاجم الملحد العظيم برنارد رسل Bertrand Russell ناعتًا إياه بالأحمق لأنه حاول مناقشة هاته النظريات! أما منطقية داوكنز فهي فقط التهجم بوقاحة على كل شيء لا يستطيع عقله استيعابه.

ونلاحظ التخيل الصبياني للإله عند داوكنز، فهو يراه، على ما يبدو، كرجل عجوز بلحية بيضاء يقوم بصعق المغضوب عليهم ومكافئة أتباعه. أو ربما كسوبر مان، هذه النظرة بالتحديد تجعلنا نتخيل داوكينز كصبي كان قد طلب من الله معجزة ما، وعندما لم تتحقق أخذ على خاطره وصار ملحدًا… في كل الأحوال مازال يطالب الله بمعجزة تثبت وجوده، أو أن يظهر نفسه لداوكنز توًا -ما فائدة العقل حينها؟ وأليس الغريب أن يطلب رجل يدعي أن العلم دينه حصول المعجزات كدليل على أي شيء! -. ورغم ذكره لـ Deism ست مرات في الكتاب، إلا أنه، ككثير من الأمور يجهل معناها، المعنى التي يؤمن به كثيرون بالله؛ أي الإيمان بالله من دون تشبه. حتى أسئلة داوكنز، نتيجة تخيلاته، عن الله ليست منطقية. فالله للكثيرين لم يصنع الكون لحاجة، والقول أنه صنعه من عدم ليس سؤال عن مقدار ذكاءه، وإن كان داوكنز لا يفهم الكون فكيف يفهم من صنعه. وكونه صنع نظامًا قادرًا على العمل بنفسه فذلك دليل على مدى قدرته. وكونه أعطى داوكنز عقلا فإنه أعطاه الحرية ومسؤولية ما يفعل وليس تلكعًا كما ما يبدي المؤلف ثم يعود ليقول أن الإله تحكمي وتسطلي!

الجزء الوحيد الذي يستخدم فيه داوكنز عقله والمنطق حي حينما يذكر نظرية إبريق الشاي لبرنارد رسل –أليس ذاك غريبًا بعد أن دعاه بالأحمق! -. النظرية تقول أنه لا يمكن نفي ما لم يتم اثباته مثل لو ادعى برنارد أنه يوجد إبريق شاي بين الأرض والمريخ فإنه لا يمكننا نفي ذلك قطعًا لأن برنارد سيقول أنه أصغر من أن يرى.

   لكن على ما يبدو أن داوكنز لا يدرك أن كل نظرية علمية بدأت كأبريق الشاي ومن ثم معركة طويلة بين من يحاول إثباتها أو نفيها. وعلى كلٍّ، فيما يخص نظرية برنارد فإنه يمكن نفيها في الواقع بطريقتين:

أولاً: إن لم نستطع نفي وجود الأبريق فلا بد أن نثبت نفي آثاره.

ثانيًا والأهم: بالتداعي المنطقي. نقول لأنفسنا، إبريق الشاي هو من صنع البشر، لكن البشر لم يذهبوا أبدًا للمريخ، ولا يستطيعون قذفه بالفضاء من الأرض، إذا من المستحيل وجود إبريق شاي بين المريخ والأرض!

عمومًا هذه النظرية منطقية وتدعوك للتفكير والتأمل، لكن داوكنز لم يستخدم غيرها بعدها أبدًا وانتقل لمناقشة الدين، وهو، على مايبدو، لا يفرق بين الله والدين. ولا حقيقة أنه لو أثبت، مع أنه لم يقترب من فعل ذلك، أن دينًا ما خاطئ، فذلك لا يعني أن الله موجود. بل على العكس، المنطق يخبرنا أنه لا بد من وجود دين واحد صحيح أما البقية فهي خاطئة… وحتى لو كانت كلها خاطئة فهي مجادلة منفصلة عن وجود الله.

كل ما يعرفه المؤلف عن الأديان هو بعض الأمور، التي فهمها بطريقة ملتوية، عن المسيحية وعن اليهودية، ولا فكرة لديه لا من قريب ولا من بعيد عن بقية أديان العالم، وبنظره إذا أثبت أن الله في العهد القديم كان ساديًا فهو كذلك في كل الأديان. وفوق ذلك، أفعال طائفة من دين ما تمثل الدين بالكامل لذلك يعتبر أن حروب العالم ومصائبه كلها ذات سبب ديني؛ وكأن البشر لا يستغلون معتقدات الشعوب بغض النظر عن مصدرها. وخلال ذكر ما فعلته الأديان يتغاضى عما فعلته الشيوعية والفاشية مثلاً.

من المثير هنا، أن داوكينز عالم البيولوجيا لا يعلم أي شيء عن علم الإنسان Anthropology وأتى عوضًا عن ذلك بنظرية كاملة من عنده عن تطور الدين عند البشر، فقط ليقول أنه تطور سيء وليس عملية داروينية ضرورية. ويتغاضى في سياق تهجمه على الأديان عن التجارب العلمية الموثقة التي تقول أن المتدينين يعيشون لفترة أطول، ويشعرون بسعادة أكبر، ومن خلال مراقبة الولادات في أمريكا وأوروبا وجد أنهم يشاركون بالـ Outbreeding secular types أكثر… كفائدة داروينية كان يجب على داوكنز أن يعلم بها، لكنه يفضل ذكر أمور استنتجها بذكائه فقط مثل “أعتقد أن السجون تحوي ملحدين أقل من غيرهم” !!

إن الأمر عائد لمسألة الحقيقة التي لا يراعيها داوكنز أبدًا كما أشار البروفسور فلو، وبالرغم من أن البعض يقولون أن داوكنز هو أقرب شيء لملحد محترف حصلنا عليه بعد برنارد رسل، إلا أن الأخير كان منطقيًا ويناقش بمنهج واضح. أما داوكنز فهو متوهم أن لديه حجة فيما كل ما لديه هو تهجم وأشياء مثل “Nur Nurny Nur Nur” و “sucking up”، لغة تستغرب أنها صادرة من أكاديمي من جامعة مرموقة. فإذا، ما سر نجاح كتابه على عكس أي من كتب رسل على سبيل المثال؟

السبب هو للأسف هو هذه اللغة وبساطته. أحد المعجبين بالكتاب كان يلخص محاسنه بأنه “كتاب ظريف ومضحك”، بالرغم من أن الكثيرين لن تكون هذه وجهة نظرهم، إلا أن هذا هو أبعد ما يقال عن كتب رسل أو غيره من الفلاسفة الجادين والتي تحتاج كتبهم لجهد ووقت لقراءتها وفهمها. والناس في الغالب عندما يقرأون هذا النوع من الكتب إما ملحدون يبحثون عمن يدعم قرارهم، أو مؤمنون فضوليون لمعرفة رأي هذا الملحد والاستعداد للمجادلات التي قد يأتي بها، لا أحد يغير أيمانه بسبب هكذا كتاب؛ هم اتخذوا قرارهم قبل وقت طويل ويبحثون عمن يطمئنهم أنهم اتخذوا القرار الصائب. أما القلة التي تبحث عن الحقيقة، فهذا الكتاب لا يقدم لهم شيئًا منها… هنالك الكثيرون الذين سيقترحون كتب فلسفية ممتازة عن هذا الموضوع. بالنسبة لي، أفضل الأسئلة، وليس الأجوبة، التي يطرحها الأدباء مثل دستوفسكي في حلم رجل تافه، أو ألدوس هكسلي في عالم جديد رائع (الفصل 15 خاصة).الخ

Advertisements

One thought on “وهم داوكنز

Love to hear your opinion !

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s