امرأة عند نقطة الصفر… رواية لم تستحق موقعها

Nawal El Saadawi by Raphael Lysander

Nawal El Saadawi by Raphael Lysander

لم يكن ليخطر ببالي أن أقرأ لنوال السعداوي لولا أن روايتها امرأة عند نقطة الصفر ذكرت في قائمة 1001 الخاصة بتطور الرواية عبر الزمن.

  راودتني شكوك فيما إذا تم اختيار هذه الرواية فقط بسبب موضوعها، فنوال معروفة بعدة أمورة؛ وروائية ليست واحدة منها ! على كلٍّ قررت في النهاية قراءة هذه الرواية بعقل منفتح تمامًا وبدون أي افتراضات أو توقعات كما لو أنني لم أسمع بنوال السعداوي من قبل ولا بأي من أفكارها وتوجهاتها أو حتى حقيقة أن هذه الرواية مذكورة في قائمة الـ 1001… هذا ما اكتشفته.

   كالعادة، وكما هو متوقع، ولشدة خيبة الأمل هذه الرواية كمعظم وأكثر الروايات العربية المكتوبة من قبل نساء مروية بصيغة first-person narrative كمذكرات شخصية. كلما قرأت هذا الأسلوب يرن في رأسي كلام بيير داكو أن الرجال يحاولون تغيير العالم ثم يعكسون ذلك على أنفسهم، أما النساء فإنهن يحاولون اكتشاف وتغيير أنفسهن ثم ينطلقن من هناك للعالم. أحترم وأقدر هذا الأمر، في الواقع، بشدة، ولكن ليس من الضروري أن يبدو الأمر دائمًا كمذكرات شخصية. بل إن هذا الموضوع تحول، للأسف، حتى عند الروائيين الذكور إلى هوس بالذات؛ الروائي العربي قادر على فصل ذاته عن الرواية… الغريب في الموضوع أن القصة العربية اتخذت منحنًا معاكسًا للمنحى العالمي لتطور الرواية. ففي حين كانت الرواية في البداية تحكى بطريقة “أبوية فوقية” كانت القصة العربية تسرد عن طريق تحويلها لآخرين بطريق حدثنا فلان ووصل الأمر لذروته في ألف ليلة وليلة حيث لا نعرف أي شيء عن المؤلف. فيما بعد نزل مؤلف الرواية العالمية ليصير “رفيقًا للقارئ يمشي بجانبه” (شميدت، الرواية) أما الرواية العربية فصارت “تسلطية”!

   عدم مقدرة المؤلف على عزل ذاته يقود إلى أمر آخر شديد السوء، موجود في رواية نوال كما في غيرها، وهو حاجة المؤلف المستمرة لإبراز حكمته وثقافته وتفوقه الفكري. وتصير الرواية ها هنا ككتاب للحكم والمواعظ، ويتوقف السرد كثيرًا لإبداء قبس من حكمة المؤلف، والتي تكون، للأسف، مجرد صف للكلام لا يمكن فهم المغزى منه.

عل كلٍّ، وعودة لرواية امرأة عند نقطة الصفر، وبعد تجاوز خيبة الأمل في طريقة السرد، وجدت الرواية للحقيقة جيدة، موضوعها هام جدًا- علمًا أن المواضيع لا تنقص الرواية العربية أبدًا-، والتفاصيل ممتازة وملفتة، وحتى الأسلوب التعبيري والأدبي كان يشع في بعض المقاطع، مثل “لم أعرف إن كنت أمشي على الأرض أو أن الأرض كانت تمشي فوقي”.

   هذا الجانب الجيد من الرواية، ولكن عودة ًللأسلوب –المشكلة دائمًا في الأسلوب! -، فردوس تستلم رواية حكاية القصة عن نوال وتبدأ بسرد سيرتها الذاتية بطريقة أشبه ما تكون بسماع أقصوصة في جلسة بين الأصدقاء؛ سرد القصة يهدف لتوثيق حادثة أو خبر ما بدون دخول في تفاصيل عاطفية، وبعد أن تنتهي بسرعة يتأسف الجميع على حال الفتاة ثم ينسونها.

   رغم أننا عرفنا قصة فردوس، المؤثرة جدًا في الواقع، إلا أننا لمن نشعر بالتماهي مع قصتها، أحد أهم أهداف الرواية. لم نشعر بأحاسيسها، بأفكارها، ولم يوجد مجال لنسأل أنفسنا عن معنى هذه الرواية على جميع الأصعدة… في الحقيقة فإن نوال لم تترك لنا مجالًا لذلك؛ فهي في النهاية، وكما أسلفت، راحت تفرض آرائها واستنتاجاتها الغريبة جدًا… والحمقاء إن كان يجب وصفها بصراحة.

هل تتخل لو أن مارغريت متشل كتبت قصة فردوس عوضًا عن نوال؛ أظن أننا كنا سنحصل على رواية معجزة، هذا الأمر يذكرني لماذا اختارت نوال هذا المثال في الأساس، لا شك أن رواية مآسي المجتمع مهم، ولكن لو كانت القصة عن فتاة من الريف واجهت كل ما واجهته فردوس لكنها صنعت من نفسها شخص مهم ومثال يحتذى به، لكانت أفضل لتحفيز التغيير في المجتمع… أنا أعرف عن قرب العديد من هؤلاء النساء واعتقد أن قصتهن تستحق أن تروى.

   كذلك على سبيل المقارنة هنالك رواية The Scarlet Letter … هل ترى الفرق الواضح رغم تقارب الموضوع؟ Hawthorne  لم يقع في كل الانتقادات التي وجهتها لرواية نوال.

   إذا في النهاية، وكما خشيت، تم اختيار الرواية بناءً على الموضوع فقط وليس لمساهمتها في تطور الرواية. الغريب أن الطبعات الأجنبية من الرواية كانت محتارة في تصنيف الكتاب بين Fiction وNon-fiction، خاصةً أن نوال ذكرت أن الرواية مأخوذت عن قصة حقيقية. لكن اختار النقاد من قائمة 1001 اعتبارها رواية. ويجب أن نعذرهم على كل فليس كأنما كان أمامهم العديد من الخيارات! بمعنى أنهم كانوا بحاجة للتنويع في الاختيار من عدة بلدان ولغات، وحيث كان الاختيار من الاسبانية، مثلاً، هين جدًا بل ربما وجدوا صعوبة في اختزال العدد. إلا أنهم وعندما وصلوا للعربية، والتي يبلغ عدد المتكلمين بها أكثر من الاسبانية وغيرها، إلا أن الخيارات كانت أمامهم محدودة جدًا.

   عمومًا، الكتب العربية الأربعة الأخرى تستحق موقعها بجدارة، ولا ينطبق أي من النقد الذي وجهته لرواية نوال عليها بتاتاً، أما الأخيرة فرغم أنها جيدة بعض الشيء فإنها كانت يمكن أن تنجز بطريقة أفضل بكثير.

Advertisements

Love to hear your opinion !

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s